الأحد، 19 أبريل 2020

فيسبوك الذي أضحكنا ثم ضحك علينا

بدأتْ القصة معي عام ٢٠١٠. كانتْ شبكة فيسبوك في بدء انتشارها الواسع في المنطقة العربية وواصلت زحفها حتى ابتلعت الكوكب. كان الأمر بالنسبة لي ولغيري هديةً من السماء، ولُعبةً نتسلَّى بها كأطفال فقراء يدخلون مدينة ديزني لاند لأول مرة في حياتهم. هل هذا معقول؟ مساحة بيضاء أكتب عليها ما أحب، فإذا بكتابتي تتجول عبر حسابات الناس عن طريق المشاركة والتعليق والإعجاب؟ بالفعل، خلال عام واحد كنتُ أتواصل مع كثير من الأصدقاء الذين ظننتُ أنهم رحلوا إلى أماكن بعيدة ولن يعودوا، وتوالى دخول الناس على الشبكة حتى أصبحت كأنها يوم القيامة.
ملايين البشر بأسماء حقيقية ووهمية، ورموز، وأيقونات، وروابط، وإعلانات، وصور، وفيديوهات، وإعجابات، وأخبار صحيحة، وفَبْرَكات، وتعليقات بريئة، وأخرى تمتلئ بالكراهية والعنف. حروب كاملة تتم عبر العالم الافتراضي. رصاصها الكلمات. وقنابلها الصور والتعليقات. النمر الصغير الذي ربَّيناه في بيوتنا وأطعمناه خبزنا وظننَّا أنه لن يَعُضَّ اليد التي امتدَّتْ له بالحب، فإذا به يشتد ساعدُه ويستدير علينا ليأكلنا. القزم الصغير في الحكايات الأسطورية الذي كنا ننظر إليه باستهزاء وتعالٍ يتَضَخَّم في كل الاتجاهات حتى أصبحنا نحن بالنسبة له أقزامًا صغيرة نخاف أن يفتك بنا.
ما الذي تَغيَّرَ بعد هذه السنوات العشر؟ لماذا تحوَّل الكائن الأليف إلى سفَّاك دماء وقاتل محترف؟ لماذا انتهى الأمر بهذه الشبكة إلى أن أصبحت موضع اتهام وشكّ من قبل كل الناس؟ لماذا تحوَّل هذه الموقع التي بدأ صغيرًا على شبكة الإنترنت إلى كائن ضخم يكاد يبتلع كل الشبكة؟ أكثر من عشر سنوات من الأحداث جرتْ خلالها كثير من التغيرات التي كان فيسبوك وإخوانه شاهدين عليها ومؤرخين لأحداثها. ثورات، وانتفاضات، وتظاهرات، وأحداث شغب لم نكن نسمع عنها قبل فيسبوك وتويتر، وفجأة رأينا الرصاص والقنص على الهواء مباشرة، كما شاهدنا قتلةً مدججين بالسلاح والكراهية، يحملون كاميرات على رؤوسهم ويقتلون الناس في بث مباشر رآه العالم كله. لقد أصبحتْ الصور والفيديوهات أكثر أهمية من الكلمات والخطب والأشعار. تحوَّلتْ البشريةُ من بلاغة الكلمة والفكرة إلى بلاغة الصورة والفيديو. انقلاب كامل في تاريخ البشرية لا يقل عن اختراع الراديو والطباعة وصاروخ الفضاء.
لكن هذه الشبكات الاجتماعية الآن متهمة بزعزعة الاستقرار وتدبير المؤامرات على الدول والحكومات. إن فيسبوك في نظر هذه الحكومات جاء من أجل تغيير الخرائط وزَرْعِ الفتن والثورات. تُسَمِّي الحكوماتُ الشرق أوسطية مواقع التواصل الاجتماعي "حروبًا"، وتعطيها أوصافًا مثل "حروب الجيل الرابع". كانت هذه الأوطان في نظرهم مستقرة وأهلها كانوا سعداء وراضين بما هم فيه. ثم جاء كائن فيسبوك الخرافي بالصور عالية الدقة والفيديوهات الـ 4k لكي يتمرد الناس على حياتهم البسيطة وحكامهم الطيبين. لولا هذه الفتن التي تضرب بلا هوادة على الشاشات وأجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية لكان الناس يعيشون في هدوء واطمئنان حسب رأيهم. تعلَّم الناس من فيسبوك وتويتر الشكوى والتذمر والتطلُّع لتقليد الحياة الافتراضية التي يشاهدونها. اصطحب الفلاحون البسطاء في القرى هواتفهم الذكية إلى الحقول. عرفوا من خلالها أن هناك بلادًا غنية وعندها وسائل مواصلات أفضل من الحمار الذي يركبونه. رأى الفلاح في قريتنا أن السيدة زوجته ليست جميلة كما كان يعتقد، أخذ يقارن بينها وبين فتيات إنستجرام وتليفزيون الواقع في الشرق والغرب. لا يعلم المسكين أن هناك أطنانًا من مساحيق التجميل، والعدسات اللاصقة، ومرطبات البشرة، وفلاتر العدسات، وعمليات التجميل، والفوتوشوب، وتعديل زوايا التصوير التي تُحِيل النساء إلى كائنات ملائكية بدون أجنحة. ابتلع الفلاح المسكين الغصة في قلبه وما عاد يصدق إلا ما تراه عيناه.
لكن هناك أيضًا من يرفض هذه الاتهامات. يقول بعض الناس إن حياة الناس قبل فيسبوك كانت خرابا كما هي الآن. الذي حدث أن فيسبوك أخرج إلى السطح ما كان مغمورًا تحت الأرض. أبواب البيوت التي كانت مغلقة على المآسي أصبحت مفتوحة يشاهدها الناس عبر الفيديوهات، والتدوينات، والصور. فيسبوك لم يخترع الكراهية وإنما كان وسيلة لإظهارها فقط. كان الناس يتحدثون عن بلادهم كأنها آخر العالم. عرف الناس من فيسبوك أنهم جزء صغير من أجزاء أخرى وكائنات أخرى تشاركهم الحياة على كوكب الأرض. وسائل التواصل الاجتماعي قرَّبت المسافات، وعرف كل شخص يتألم أن هناك من يتألم مثله، فتشارك الجميع الألم وارتفعت الأصوات بالصراخ بعد أن كانوا صامتين. لم يعد المواطن يصدق أن "طفح المجاري" و"انتشار القمامة" في شوارع بلادنا أمور طبيعية. يمكنه الآن أن يشاهد شوارع "طوكيو" و"سيول" و"كوالا لامبور" تلمع مثل زجاج السيارات. لم يفسد فيسبوك حياتنا لأنها كانت فاسدة قبل مجيئه. كل الذي حدث أنه رفع الغطاء عن الجثة وكشف رائحة العفن. لا يجب أن نلوم فيسبوك. الأفضل أن نُنَظِّف ملابسنا.

كورونا الذي يحصد أرواحَنا مثل مِنْجَل

     لو كان فيروس "كورونا" مرضًا للفقراء فقط ما وقف العالم على قدم واحدة كي يبحث عن علاج يوقف هذا القطار المتجه بأقصى سرعة آخذًا في طريقه كل شيء. إنه لحسن الحظ لا يفرق بين غني أو فقير. تتسابق مراكز الأبحاث في العالم المتمدن كي تجد علاجًا لهذا الموت المجاني كي تنقذ شعوبها من هذا الوباء الفتاك.
     أخشى ما أخشاه أن ينجح العالم المتمدن في وقْفِ تَدَفُّقِ الفيروس، ثم يغلق حدوده ويتركنا في بلادنا فريسةً لهذا الموت دون أن يمد لنا يد المساعدة.
   إذا تخلصتْ الدولُ الأوروبية وأمريكا من الفيروس بعد أن يكمل دورة انتشاره لديها فإنه سوف يتحول إلى مشكلة الدول الفقيرة فقط. ربما ستحظى هذه الدول ببعض المعونات، لكن هذه الجائحة لن تصبح وقتها مشكلة السيد "ترامب" أو السيد "بوريس جونسون"، وإنما سيكون كورونا أداة الجنرالات والملوك والرؤساء في أفريقيا والشرق الأوسط لتخفيض عدد السكان.
      يتحرك الفيروس كأنه يسير بخطة محكمة. يتجه أولا نحو الصين وكوريا الجنوبية واليابان بمعدلات إصابة ووَفَيَات معقولة، ثم يقفز إلى أوروبا والولايات المتحدة ليصبح هناك أكثر شراسة كأنه السيدة العجوز في الحكايات الخرافية التي تَسِنُّ أسنانها ثم تلتهم كل مَنْ في طريقها.
        يبدو كورونا دائمًا قبل أن يصيبك كأنه "مشكلة شخص آخر"، لكنه ما أن يتجه نحوك - أو نحو شخصٍ تعرفه - حتى تتورط فيه بكل كيانك كما يتورط القتلة في دماء ضحاياهم.
      يخطو الفيروس نحو بلادنا ببطء، لكنه يسير بخطى ثابتة. يتعامل الناس في بلادنا مع الجائحة بالنكات والوصفات الطبية القديمة كما يتعاملون مع نزلات البرد، وهي وسيلة الشخص فاقد الحيلة الذي لا يملك من أمر نفسه شيئًا. إذا قرر الفيروس – لا قدر الله - أن يقيم في بلادنا لفترة، كما يقيم في أمريكا وأوروبا الآن، فإنه سيصطحب معه الكثير من الناس قبل أن يغادرنا.
    نتمنى أن يغير الفيروس من سلوكه في الطقس الحار. هذا هو الأمل الوحيد الذي نرجو من الله أن يتحقق الآن .
        لا أحب أن أكرر العبارات التي يحفظها الناس، لكن منذ أن حاصرنا هذا الوباء ترنُّ في أذني مقولة نجيب محفوظ: "لو نجونا فهي الرحمة، ولو هلكنا فهو العدل".
      في أوقات الأزمات الكبرى - مثل تلك التي نعيشها الآن - يعرف الناس قيمة أن يكون في بلادهم بنية تحتية جيدة. لقد انتصر الكوريون واستطاعوا أن يوقفوا تدفق الفيروس – وما زالوا حتى الآن - بفضل شبكات الاتصال الراقية، والطرق التي ليس لها حصر، والمواصلات الآدمية، والمستشفيات التي تمتلئ بها المدن. إن نظامهم الطبي يتمتع بكفاءة منقطعة النظير ولا يفرق بين الأغنياء والفقراء.
     الذي يعتقد أن كوريا انتصرت على الفيروس الآن وتمكنتْ من محاصرته بسبب البنية التحتية فقط فهو مخطئ، لكن السبب الأول - في رأيي - يعود إلى المواطن الكوري الذي يتصرف بحكمة ويعرف كيف يساعد الحكومة لأنه يثق في حكومته. أقصد أن المواطن الكوري هو شخص تستثمر حكومته في تعليمه وإعداده، حتى إذا مرت البلاد بظروف استثنائية استطاعت بفضل هذه التنشئة لمواطنيها أن تتجاوز المحنة بأقل الخسائر.
    أعتقد أن الدول التي تستثمر في التعليم والصحة – مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية - هي الدول التي يمكنها أن تنجو من هذه المحرقة وأن تتعافى بسرعة، أما أولئك الذين لا يعرفون من الاستثمار سوى زرع مزيد من الخرسانة في الصحراء فهم الآن في موقف لا يُحْسَدون عليه.
        الاستثمار الآمن والمؤكد هو الاستثمار في الإنسان وتعليمه وتنميته، أما الاستثمار في الخرسانة والقصور والمظاهر التافهة فهو استثمار لا ينفع وقت الأزمات.
    من المبكر أن نقول بأن هذه الكارثة العالمية ستكون شهادة وفاة للنظام العالمي الحالي. إذا خرجتْ الولايات المتحدة وأوروبا بأقل الخسائر فلا شيء سيتغير على الإطلاق، إذا لم تتغير أمريكا وأوروبا فلن يتغير شيء. ربما ينهار الاتحاد الأوروبي أكثر، لكنه على كل حال يسير نحو النهاية.
   في الوقت الذي تتشاجر فيه الدول على المعدات الطبية وأجهزة التنفس الصناعي والأقنعة، هناك دول أخرى لا تهتم إلا بأن يقال عنها إنها تتبرع بالمعدات الطبية رغم حاجة مواطنيها الشديدة إلى تلك المعدات. يختطف الأوروبيون والأمريكان الأقنعة وأجهزة التنفس كأنهم قراصنة البحار. لقد وقف الرئيس الأمريكي مثل "ضبع جائع" يقول: "لن تحصل دولة في العالم على أي معدات قبل أن تحصل الولايات المتحدة على ما تحتاج إليه".
    مشهد الطبيبة التي ماتت جرَّاء إصابتها بالفيروس والقرية التي رفضت دفنها خوفًا من عدوى الفيروس مشهد مؤلم للغاية يختلط فيه الجهل بعمى القلب. كيف يتحول الناس في بلادنا إلى كائنات شريرة إلى هذه الدرجة؟ إن غابات أفريقيا بِسِبَاعِها الضارية أكثر رحمة على ساكنيها من هذه البلاد القاسية.

        بصراحة متناهية، كورونا ليس أول الأوبئة، ولن يكون آخرها، سوف يقيم معنا بعض الوقت وينصرف، لكن الوباء الحقيقي الذي يرفض أن يغادرنا وينهش في بلادنا بلا هوادة هو غياب الحريات والعدالة الاجتماعية. إذا استعاد المواطن في بلادنا السيطرة على مقدراته، فإن بإمكانه أن يهزم كل الأوبئة.

السبت، 16 مارس 2019

دروس مذبحة نيوزيلندا


·     يجب أن يكف العرب والمسلمون عن النواح والبكائيات التي لا فائدة منها لأن ذلك ليس له قيمة. إليكم المفاجأة. العالم لا يأبه بالضعفاء على الإطلاق ولا يهتم بهم. العالم لا يحترم إلا الأقوياء. التاريخ الإنساني يمتلئ بكثير من المذابح. الحربان العالميتان في القرن العشرين راح ضحيتهما أكثر من ١٠٠ مليون إنسان. ما الفارق إذا وضعنا بجانب هذه الملايين أعدادًا أقل؟
·     هذه المذبحة تاريخية. لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. ستكون مُلهِمة للمجانين والمصابين بالإسلاموفوبيا في الأيام والسنوات القادمة. محطة مهمة من محطات الحقد والكراهية ضد الإسلام والأديان عمومًا. ليست مجرد جريمة كراهية من تلك الجرائم السابقة. هي جريمة مخطط لها بكفاءة ومنسجمة مع الموقف الفكري للشخص الذي ارتكبها. هذا شخص يحمل في رأسه وقلبه ميراث الكراهية الممتد لمئات السنين كما جاء في منشوره المطول الذي كتبه بنفسه على شبكة الإنترنت.
·     قيمة الإنسان على كوكب الأرض تتناسب طرديا مع قيمة الدولة التي يحمل جنسيتها. مقتل خمسين مواطن من الشرق الأوسط في بثِّ مباشر على موقع فيسبوك لن يساوي مقتل هذا العدد من سكان العالم الأول في أوروبا وأمريكا، ولا حتى يساوي نصفهم أو ربعهم. هناك مواطنون تتحرك من أجلهم جيوش، وفرق كوماندوز، وطائرات حربية لإنقاذهم، أو لإخراجهم علنًا أو في الخفاء من سجون دول أخرى والعودة بهم إلى بلادهم، بينما هناك مواطنون لا يتملكهم الرعب إلا عند المرور من أمام قنصليات بلادهم وسفاراتها في الخارج.
·     طالما أن المواطن العربي ليس له أي قيمة في بلاده فلن يكون له أي قيمة خارجها. بعيدا عن أي خلافات سياسية، هناك مواطن عربي تمَّ استدراجه إلى قنصلية بلاده - التي يلجأ إليها الناس طلبًا للحماية عادةً - وتم تقطيعه بمنشار تحت سمع وبصر العالم كله، ولا يُعرَف لجثته مكان إلى الآن. هل يمكن أن يكون لهذا المواطن قيمة خارج بلده؟ هل يمكن أن يشكل موت هؤلاء المواطنين من هذه الدول فارقًا كبيرًا؟ يجب أن نكون عاقلين. علينا أن نزن الأمور بميزان العقل والابتعاد عن العواطف قليلاً.
·     أصل الداء في مذبحة نيوزيلاندا أن بلاد العرب والمسلمين أصبحت في معظمها ميدانًا خصبًا للاستبداد والديكتاتورية، مما دفع كثيرًا من أبنائها إلى الهجرة واللجوء إلى أوروبا والولايات المتحدة ومن يدور في فلكها بحثًا عن حياة كريمة، أو فرارًا من مجازر الحرب، أو من أجل الحرية وممارسة الحياة الطبيعية التي تليق بالبشر. لو وَجَدَ هؤلاء الناس في بلادهم حياةً كريمة ما رحلوا عنها. معظم الذين ماتوا في المجزرة هاربون من حروب أهلية أو باحثون عن لقمة عيش بعد أن سُدَّتْ في وجوههم كل فُرص العيش الكريم.
·     يجب أن نتعلم من هذه المجزرة أن حق الحياة يجب أن يكون لجميع البشر بغض النظر عن أديانهم أو ألوانهم أو قومِيَّاتهم. نحتاج إلى الاتفاق على هذا المبدأ. قتل الناس مبدأ مرفوض يجب أن نصرخ بهذا في وجه كل دعاة الكراهية من كل الأديان. يجب أن يتوقف المسلمون بعد كل جريمة عن إنكار الصلة بين الإسلام والإرهاب. هذا التصرف نتائجه عكسية تماما، يتعامل كثير من المسلمين مع الإسلام من موقف متخاذل كأنه يحمل عارًا يبحث له عن مبرر ويدافع عنه. الشخص الذي لا يعتز بالإسلام عليه أن يغادره على الفور. لا حاجة للإسلام بهذا الخطاب الذليل الذي يُقسم بعد كل جريمة ارتكبها شخص أحمق بأن الجريمة لا علاقة لها بالإسلام. 
·     تثبت مجزرة نيوزيلندا أن التطرف والكراهية موجودان في كل مكان. لا يمكن أن يتحمل المسلمون وحدهم ضريبة الإرهاب والكراهية في العالم كله. لا يمكن قبول الأفكار التي تمتلئ بها عقول كثير من الناس بأن الإرهاب صناعة إسلامية. كل شخص يقتل هو شخص إرهابي قاتل ثم نضع نقطة. إلصاق القتل بالإسلام ليس له أي مبرر ولا يمكن القبول به. إن ترديد مليون شخص لفكرة خاطئة أو معلومة غير صحيحة لن يجعلها صحيحة أبدا.
·     الغريب في مجزرة نيوزيلندا أن قادة الغرب هم الذين نددوا بها واعتبروها جريمة كراهية. غريب أن يبتلع الناس في الشرق الأوسط والمنطقة العربية ألسنتهم، وأن يبحث بعضهم عن مبررات لهذه الجريمة. هذه الجريمة فرصة جيدة لإثبات أن الكراهية لا علاقة لها بأي دين، وقد دفع ثمنها ضحايا أبرياء. لا يجب أن تضيع هذه الدماء هدرًا.
·     رحم الله هؤلاء الضحايا الأبرياء وغيرهم من ضحايا الإرهاب والكراهية في كل مكان.

الأربعاء، 13 ديسمبر 2017

المقاعد

المقاعدُ كائناتٌ تشعر بدِفْءِ الجالسين عليها وتَشْتاقُ إليهم. تشتاقُ حتى إلى أولئك الذين جلسوا لحظاتٍ قليلةً ثم غادروا المكانَ بلا عودة. فوق أخشابِ المقعد جلس العجوزانِ في انتظار زيارةِ الأحفادِ القادمةِ في عيد الحصاد (تشوسوك). وفوقه جلس المراهقانِ يتبادلان كلماتِ الحب غيرَ عابِِئَيْنِ بما يُخَبِّئُه لهما القدرُ، أو بما يُخطِّطُ لهما دونالد ترامب وكيم جونغ أون. فوق هذا المقعد جلستْ سيدةٌ حسناءُ في مُقتَبَل العمر تتذكَّر رفيقَها المسافرَ وتَتَحَسَّسُ آثارَ قبلاته على وجهِها وأطرافِ أصابعها. وفوقه توقَّفَ طائرٌ لالتقاط بقايا الطعام المتساقطِ من الجالِسِين. في الشتاء تشعر المقاعدُ بالوَحْدة وبرودة الجو، فالثلوجُ لا تتساقط على الأرصفة، والنوافذ، وأسطح البنايات فقط، إنها تسقط في القلب والروح أيضا. كل نُدْفَةٍ (قطعة) من الثلج الأبيض تتساقط من أعلى فوقَ أخشاب هذا المقعد الحزين تُذَكِّرُه بدفءِ عشراتِ الناس الذين جلسوا عليه يتبادلون الحديث والعَنَاقَ أحيانا. سوف يظل هذا المقعد مُنْزَوِيًا في صمتٍ حتى تَنْزاحَ أكوامُ الثلج ويعودَ الربيع.

الثلاثاء، 5 ديسمبر 2017

هناك.... بعيدًا في الأعماق

هناك مِنْطَقَةٌ خفيةٌ داخلَ القلبِ لا يطَّلِعُ عليها أحدٌ على الإطلاق. أحيانا تكون مصدرًا للسعادة، وكثيرًا ما تكون مصدرًا للألم. منطقةٌ في الأعْمَاق نُحاولُ إِخْفَاءَها عن عيون الرُّقَباءِ. قد تكون حادثةً منذ سنواتٍ طويلةٍ، أو مَوْقِفًا عابِرًا تَرَكَ جُرْحًا لا يَنْدَمِلُ، أو علاقةً لم يُكْتَبُ لها النجاحُ، أو حِوارًا غاضبًا لا نَعُودُ بَعدَهُ كما كُنَّا مِن قَبلُ، أو لحظةَ خيانةٍ كاشفةٍ. لكنَّ هذه المِنْطقَةَ في كل الأحوال تَظَلُّ مصدرًا ومُحَرِّكًا للكثيرِ من تَصَرُّفاتِنا في الحياة حتى بعد مُرُورِ سنواتٍ طويلةٍ عليها. لا يمكن أن نَبُوحَ بها لأنَّ لحظاتِ البَوْحِ مُؤْلِمَةٌ كَأَنَّنَا شَخْصٌ يَقِفُ عارِيًا في مَيْدانٍ عامٍّ ساعةَ الظَّهِيرةِ. ولا شيءَ مضمونٌ، فرُبَّمَا صديقُ اليومِ يُصْبِحُ في غدٍ عَدُوًّا لَدُودًا، ولِهذا نُحَاوِل دائمًا أنْ نُبْقِيَ هذه المنطقةَ بعيدًا. قد يُلاحِظُها الأذكياءُ في التِفَاتَةٍ سريعةٍ، أو كلماتِ ترحيبٍ مُبَالَغٍ فِيها، أو لحظاتِ مَرَحٍ زَائِدَةٍ عن الحَدِّ، أو دُمُوعٍ نَخْلُطُها بِقَطَرَاتِ المَاءِ عندَ غَسِيلِ الوَجْهِ في الصَّباحِ. نَعَمْ. نَعَمْ. نَعَمْ. مِثْلَ هَذه اللحظةِ التي تفكرُ فيها أنتَ الآنَ.

الأحد، 19 نوفمبر 2017

حين أصابتني الغربة

أقسى ما في الغربة أن تكون هامشًا. ممنوعٌ أن تصبح مَتْنًا في حياة الآخرين. وظيفتك أن تكون أداةً يقترب منها الآخرون بِقَدْرِ فائدتِها. أنت في الغربة كائنٌ حيٌّ تنمو مشاعرُه إلى الداخل، ويحيط نفسَه بسياجٍ غليظٍ من خرسانة اللامبالاة والتحديقِ في الفراغ. تحمل دموعَك داخلك كَمَن يحمل إناءً يفيض بالماء على حافَّتَيْه. تظل تتأرجح حاملاً الإناءَ فوق رأسك محاولاً ألا يصطدم بك أحدٌ خشيةَ أن ينسكب الإناءُ من الخارج وتنكشف دموعُك أمام الآخرين. لا تتذكر الأعيادَ إلا حين يحتفل بها الآخرون، ولا يقترب منك أحدٌ إلا بالخطإِ كما يقترب الناس من أشواك القُنفذ، ربما يصطدم بك شخصٌ متعجلاً فيضع يده على كتفك معتذرا، وأنت تَوَدُّ لو أنه مد كلتا يديه وعانقك. لكنك أحيانًا لا تعدم وسط هذا الضباب مَن ينظر إليك بعطف، بل ويشكرك على معروفٍ أسْدَيْتَه إليه. مريد البرغوثي يقول إن الغربة مثل مرض الربو، إذا أصابك لا شفاء منه أبدا. أنا أيضا أصابتني الغربة، لكنني ألِفْتُها كما يألف المدمنون وَخْزَ الإبرة. أخشى حين أعود من حيث جئتُ ألا أجد الآخرين حيث تركتُهم. وهَبْنِي وجدتُهم حقا، فهل سأكون أنا ذلك الشخصَ الذي غادرهم منذ وقت طويل؟

الأربعاء، 23 سبتمبر 2015

ذكريات

كل شيء يبدو في تلك اللحظة عاديا، حتى إذا توقفنا للحظات قليلة، ربما لا تزيد عن دقيقة أو دقيقتين في انتظار الحافلة، أو في انتظار أن تفتح إشارة المرور، أو في انتظار دخول قاعة المحاضرات، حتى ينفجر شلال هادر من الذكريات. شلال يكتسح كل ما يبدو أمامه كالإعصار. تسونامي يجرف كل المشاهد التي كنت أظن أنها رحلت إلى قاع الذاكرة، ويأتي بها ناصعة كأنها حدثت بالأمس. أول يوم دراسي في المرحلة الابتدائية. أول حقيبة مدرسية وأول عصاة تهبط على أصابعي من أستاذ غليظ القلب. الإحساس بالبلاهة بعد خيانة صديق. أول مرة ينزل الحب ضيفاً على القلب. أصابع ابنتي المتناهية في الصغر بعد ولادتها مباشرة. وجه أمي الراحلة حين رأيتها لآخر مرة. أصابع أبي الممتلئة تصفعني لأول وآخر مرة حين كسرتُ الراديو العتيق الذي يستمع فيه إلى إذاعة لندن. أول راتب بعد أول شهر عمل في الإسكندرية. أول مرة أغادر القرية سعيدا إلى مدينة الفيوم التي كنت أعتقد أنها في نهاية العالم. أول شعرة بيضاء مختبئة في رأسي. أول أذان أرفعه حين كنت مراهقا صغيرا في مسجد القرية ولم يأت أحد للصلاة فصليت إماما ومأموما ومؤذنا. ملابس العيد التي كانت تجعلني لا أعرف طعم النوم حتى أرتديها صباحا. البكاء ليلا حتى الصباح عند أول إحساس بالقهر. كل هذا يأتي في لحظة واحدة لا يقطع تدفقها سوى تغير الألوان في إشارة المرور أو حضور الحافلة. هل نحن حقا نسير وحيدين في هذه الدنيا؟ كيف يكون الإنسان وحيدا وفي رأسه كل هذه الذكريات؟

الشوارع حياة

الشوارع كائنات لها أرواح كالبشر. عيونها المصابيح، وألسِنتُها اللافتاتُ والإشاراتُ الضوئية. المقاعدُ الخشبية العتيقة أيادِيها الحانية. في أوا...